ابن عجيبة

201

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

من طرق الهدى ؟ وقد قال - عليه الصلاة والسلام - : « لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به » . ه . ثم ضرب الحق مثلا لمن تبع هواه ، فأصمّه وأعماه ، فقال : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 171 ] وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلاَّ دُعاءً وَنِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ ( 171 ) قلت : ( ومثل ) إلخ ، يحتمل أن يكون على حذف مضاف ، أي : مثل واعظ الذين كفروا ، أو لا يحتاج إلى تقدير . وسيأتي بيانه ، ونعق ، كضرب ، ينعق نعقا ونعيقا ، إذا صاح وزجر . يقول الحق جل جلاله : وَمَثَلُ واعظ الَّذِينَ كَفَرُوا وداعيهم إلى اللّه كَمَثَلِ الراعي الذي يرعى البهائم ، وينعق عليها ؛ ليزجرها ، أو يدعوها فإذا سمعت النداء رفعت رءوسها ولم تعقله ، ثم عادت إلى مراعيها ، فلا تسمع من الراعي يزجرها إِلَّا دُعاءً وَنِداءً ، ولا تفقه ما يقول لها ، كذلك الكفار المنهمكون في الكفر ، إذا دعاهم أحد إلى التوحيد لا يلتفتون إليه ، ولا يفقهون ما يقول لهم ، كالبهائم أو أضل . أو مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا في انهماكهم في التقليد والجهل ، مع من يدعوهم إلى اللّه كَمَثَلِ بهائم الذي ينعق ويصيح عليها صاحبها فلا تسمع إِلَّا دُعاءً وَنِداءً ولا تفقه ما يقول لها ، أو مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا في دعائهم الأصنام التي لا تسمع ولا تعقل ، كمثل الناعق بغنمه ، فلا ينتفع من نعيقه بشئ ، غير أنه في عناء وتعب من دعائه وندائه ، ثم وصفهم بالصمم والبكم والعمى مجازا ، أي : هم صُمٌّ عن سماع الحق فلا يعقلونه ، بُكْمٌ عن النطق به ، عُمْيٌ عن النظر إلى أسبابه ، أو عن الهدى فلا يبصرونه ، فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ شيئا ولا يتدبرون . الإشارة : إذا تمكن الهوى من القلوب عزّ دواؤه وشق علاجه ، وعظم على الأطباء عناؤه ، فالمنهمكون في الغفلة لا ينفع فيهم التذكير ، ولا ينجح فيهم التخويف والتحذير ، فالواعظ لهم كالناعق بالبهائم التي لا تسمع إلا دعاء ونداء ، قد أعماهم الهوى ، وأصمهم عن سماع أسباب الهدى . ( إنّ الهوى ما تولّى يصم أو يصم ) « 1 »

--> ( 1 ) قوله : ( يصم ) ، أي : يقتل ، من أصميت الصيد ، إذا رميته فقتلته وأنت تراه ، وقوله : ( أو يصم ) أي : يعيب ، من الوصم ، وهو العيب ، يقال : ما في فلان وصمة ، أي : عيب . قلت : وهذا شطر بيت ، أوله : ( فاصرف هواها وحاذر أن توليه ) والبيت من القصيدة المعروفة بالبردة للبوصيرى